الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

79

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

من المكرماه » ( البناه . والمكرماه . بالهاء ساكنة في آخرهما . وأصلها تاء جمع المؤنث فغيّرت لتخفيف المثل ) وهكذا شأن الشّبه والأدلّة الموهومة التي لا تستند إلى دليل . فمعنى : وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ أنّهم يحدثون لهم دينا مختلطا من أصناف الباطل ، كما يقال : وسّع الجبّة ، أي اجعلها واسعة ، وقيل : المراد ليدخلوا عليهم اللّبس في الدّين الّذي كانوا عليه وهو دين إسماعيل عليه السّلام ، أي الحنيفيّة ، فيجعلوا فيه أشياء من الباطل تختلط مع الحقّ . والقول في معنى : وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ كالقول في قوله آنفا وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ [ الأنعام : 112 ] وضمير الرّفع في : فَعَلُوهُ يعود إلى المشركين ، أي : لو شاء اللّه لعصمهم من تزيين شركائهم ، أو يعود إلى الشّركاء ، أي : لو شاء اللّه لصدّهم عن إغواء أتباعهم ، وضمير النّصب يعود إلى القتل أو إلى التّزيين على التوزيع ، على الوجهين في ضمير الرّفع . والمراد : ب ما يَفْتَرُونَ ما يفترونه على اللّه بنسبة أنّه أمرهم بما اقترفوه ، وكان افتراؤهم اتّباعا لافتراء شركائهم ، فسمّاه افتراء لأنّهم تقلّدوه عن غير نظر ولا استدلال ، فكأنّهم شاركوا الّذين افتروه من الشّياطين ، أو سدنة الأصنام ، وقادة دين الشّرك ، وقد كانوا يموّهون على النّاس أنّ هذا ممّا أمر اللّه به كما دلّ عليه قوله في الآية بعد هذه : افْتِراءً عَلَيْهِ [ الأنعام : 138 ] وقوله في آخر السّورة : قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هذا [ الأنعام : 150 ] . [ 138 ] [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 138 ] وَقالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُها إِلاَّ مَنْ نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها وَأَنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِراءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ ( 138 ) عطف على جملة : وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ [ الأنعام : 137 ] وهذا ضرب آخر من دينهم الباطل ، وهو راجع إلى تحجير التّصرّف على أنفسهم في بعض أموالهم ، وتعيين مصارفه ، وفي هذا العطف إيماء إلى أنّ ما قالوه هو من تلقين شركائهم وسدنة أصنامهم كما قلنا في معنى زيّن لهم شركاؤهم . والإشارة بهذه وهذه إلى حاضر في ذهن المتكلّمين عند صدور ذلك القول : وذلك أن يقول أحدهم هذه الأصناف مصرفها كذا ، وهذه مصرفها كذا ، فالإشارة من محكيّ